الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . فمعنى قوله : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً : أنّها كذلك في النظام الذي وضع عليه هذه الأرض التي جعلها مقرّ البشر باعتبار تمايز كلّ واحد فيها عن الآخر ، فإذا تجاوزت الاثني عشر صار ما زاد على الاثني عشر مماثلا لنظير له في وقت حلوله فاعتبر شيئا مكرّرا . و عِنْدَ اللَّهِ معناه في حكمه وتقديره ، فالعندية مجاز في الاعتبار والاعتداد ، وهو ظرف معمول ل عِدَّةَ أو حال من عِدَّةَ و فِي كِتابِ اللَّهِ صفة ل اثْنا عَشَرَ شَهْراً . ومعنى فِي كِتابِ اللَّهِ في تقديره ، وهو التقدير الذي به وجدت المقدورات ، أعني تعلّق القدرة بها تعلّقا تنجيزيا كقوله : كِتاباً مُؤَجَّلًا [ آل عمران : 145 ] أي قدرا محدّدا ، فكتاب هنا مصدر . بيان ذلك أنّه لمّا خلق القمر على ذلك النظام أراد من حكمته أن يكون طريقا لحساب الزمان كما قال : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 5 ] ولذلك قال هنا يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ف يَوْمَ ظرف ل كِتابِ اللَّهِ بمعنى التقدير الخاصّ ، فإنّه لما خلق السماوات والأرض كان ممّا خلق هذا النظام المنتسب بين القمر والأرض . ولهذا الوجه ذكرت الأرض مع السماوات دون الاقتصار على السماوات ، لأنّ تلك الظواهر التي للقمر ، وكان بها القمر مجزّأ أجزاء ، منذ كونه هلالا ، إلى ربعه الأول ، إلى البدر ، إلى الربع الثالث ، إلى المحاق ، وهي مقادير الأسابيع ، إنّما هي مظاهر بحسب سمته من الأرض وانطباع ضوء الشمس على المقدار البادي منه للأرض . ولأنّ المنازل التي يحلّ فيها بعدد ليالي الشهر هي منازل فرضية بمرأى العين على حسب مسامتته الأرض من ناحية إحدى تلك الكتل من الكواكب ، التي تبدو للعين مجتمعة ، وهي في نفس الأمر لها أبعاد متفاوتة لا تآلف بينها ولا اجتماع ، ولأنّ طلوع الهلال في مثل الوقت الذي طلع فيه قبل أحد عشر طلوعا من أي وقت ابتدئ منه العد من أوقات الفصول ، إنّما هو باعتبار أحوال أرضية . فلا جرم كان نظام الأشهر القمرية وسنتها حاصلا من مجموع نظام خلق الأرض وخلق السماوات ، أي الأجرام السماوية وأحوالها في أفلاكها ، ولذلك ذكرت الأرض